قال المنفلوطي : إن الله قد خلق لكلِّ روحٍ من الأرواح روحاً أخرى تماثلها وتقابلها ...وتسعد بلقائها وتشقى بفراقها ولكن قدَّر أن تضل كل روحٍ عن أختها في الحياة الأولى فذلك شقاء الدنيا وأن تهتدي إليها في الحياة الثانية، فتلك سعادة الآخرة" .

اهتدى المنفلوطي في كلامه إلى نصف الحقيقة وضلَّ عن نصفها الآخر، لقد أصبح معلوماً بالضرورة من أن الأرواح تعارفت في عالم لم تشهده الأجساد ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم " الأرواح جنودٌ مجندةٌ فما تعارفت منها ائتلف وما تناكر منها اختلف "ومنه اشارة القرآن إلى ذلك في قوله تعالى "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ".

ولأنَّ الإهتداء إلى تلك الروح التي تتآلف مع ذاك الإنسان صعب وعسير للغاية فقد المنفلوطي الأمل في ذلك و أرجعه للدار الآخرة، ويا لسعادة من وجد نصفه الآخر في الدنيا، فيحيا معها سعيداً هانئاَ.

ولقد دلت الحادثات والخبرات على أن الأرواح المتآلفة تتخاطب وهنا أفترض أن التخاطب يحدث بذبذبات غير مرئية، تلك الذبذبات تنتقل عبر الأثير أو عبر الفراغ، لا يهم كيف تنتقل! ولا أظنها تحتاج وسطاً تنتقل عبره، تنتقل من قلبِ مرسلٍ إلى قلبِ مستقبلٍ، تفصل بينهما المسافات فتبعث في ذاك القلب المستقبل ذات الشعور المتولد في قلب المرسل، إن كان فرحاً ففرحا، وإن كان حزناً فحزنا، وإن كان شوقاً فتشوقا.

تلك الذبذبات تنتقل بسرعة لا يمكن قياسها بآدوات وأجهزة أرضية مادية؛ لأنها جاءت من عالم اللامادة " عالم الروح " 

إن مجرد وجود القلب الباعث، والقلب المستقبل لا يجعل من الأرواح متآلفة حتى تسري تلك الذبذبات بطول موجة يسهل على الباعث إرسالها وعلى المستقبل استقبالها وانبعاث المشاعر بها.

والتآلف بين الأرواح إن وجد فلن يسهل على الجسدين العيش بعد ذلك إلا بحصول الاندماج بين هاتين الروحين.

إن تخاطب الأرواح وتبادل أحاسيسها لا تتأتى إلا بعد أن تآلفت في عالم الذر، تعارفت هناك وتجانست فأخذ سالبها الموجب وأخذ موجبها السالب حتى إذا التقت الأجساد التي هي محل سكن الأرواح في هذه الدنيا، هدأت الأرواح واستقرت وهذا ما دلت عليه حكمة الله عندما قال" ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ" وقال  " جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ". وذلك لآن الجنة دار النعيم المقيم، ولن يتم النعيم إلا بسكون الأرواح إلى أنصافها.

بقلم: هبة الله جوهر